ابن عربي
33
فصوص الحكم
مخالف لجميع الحوادث ، وهذا القول في نفسه تحديد وتقييد . ولذلك لم يرتض من معاني التنزيه إلا المعنى الذي شرحناه . والمنزه في نظره - إذا فهم التنزيه بالمعنى الثاني - إما جاهل وهو الفيلسوف الذي ينكر الشرائع وما ورد فيها ، وإما سيِّئُ الأدب وهو المعتزلي الذي يقول بالتنزيه المطلق وكأنه يتجاهل ما ورد في القرآن من آيات صريحة تشعر بالتشبيه . ( 2 ) « فإن للحق في كل خلق ظهوراً . . . فالحق محدود بكل حد » . هذه الجملة من أصرح ما قال به ابن عربي في التعبير عن وحدة الوجود وعن ناحيتي التنزيه والتشبيه اللتين أسلفنا ذكرهما يقول : فهو ( أي الحق ) الظاهر في كل مفهوم ( أي مدرك بالفهم ) وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته » . فظهور الحق تقييده وهذا هو التشبيه ، وبطونه إطلاقه وهو التنزيه . ولذلك إذا أردنا أن نضع له تعريفاً وجب أن يؤخذ في التعريف الظاهر والباطن جميعاً . وقوله « فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره وباطنه » يمكن أن يفسر بمعنى فإن أريد تعريف الإنسان مثلًا وجب أن يؤخذ في التعريف ظاهره ( أي الإنسان ) وباطنه ، بأن يشير التعريف إلى حيوانيته وعقله . ويمكن أن تفسر على أن الضمير في ظاهره وباطنه يعود على الحق : أي يؤخذ في تعريف الإنسان ما بطن فيه من الحق وما ظهر . وعلى الاعتبار الأول يكون تعريف الإنسان بأنه الحيوان الناطق مثالًا لما يجب أن يكون عليه تعريف الحق أو تعريف أي شيء من أنه يشمل الظاهر والباطن . وعلى الاعتبار الثاني يكون تعريف الإنسان مثالًا يتبين فيه كيف تدخل صفات الحق الظاهرة والباطنة في تعريفات الأشياء ، إذ أن النطق في الإنسان مظهر من مظاهر الاسم « الباطن » والحيوانية مظهر من مظاهر الاسم « الظاهر » : وهما من الأسماء الإلهية . هذا هو التفسير الذي